في ظل الكلام

Loading...

الاثنين، 14 سبتمبر، 2009

سكان القاع يعرفون اكثر







تراءى له ما كان يصنع منذ زمن

فصاحة اللسان كانت تنقصه .... ادبيات الاشعار لم يحترفها .... سلوكيات غضه تفتقر الى النضج

كان يتمسك باعلى شعيرات فروة الارنب .... يتوق الى النظر و التمعن في كل جديد ...
يطالع الناس و هم يتمتعون بظلام و دفئ الفروة في مناطق منبت شعر الارنب ...
فهم منذ زمن كانوا مثله .... ينبهرون عند مشاهدة كل جديد .... عبارات الوجه كانت تدل على التعجب !
كانت الاشياء كلها جديدة ...الوانها ...رائحتها ... حتى اسمائها ... كانوا لا يعرفون عنها شيئا ...
هو بدوره ... لم يكترث الى الكم الهائل من نصائح المجرب ... فضّل ان يتلقى المعرفة بتجربة و احتكاك مع الاشياء وبشكل مباشر ....


مر وقت من الزمن على حاله هذه .... شعر بالتعب و هو يقبض متسلقا شعر الارنب ... حين ذاك ..سمع صوت يخرج من جوفه يقول له .....:

كل الاشياء انما هي شئ واحد ... لها وجهان
الابيض و من ثم الاسود ... تراك لم تقتنع بعد !!

هه "اجاب هو "
ومال هذه الالوان تبدو زاهية تتلالأ !؟
يبدو انك قد تأثرت برأي المجرب ذو الخبرة !!! ... دعني لارى و اكتشف اشياء اخرى ...
انا أؤمن بأنها في مكان ما هناك ....
اخذ الصمت يلف المكان .... فقط يُسمع صفير الرياح وهي تهب ...
لابد ان يتمسك جيدا خوفا من السقوط .... فأنه ان سقط ....
لن يستطيع ان يعتلى قمة الشعرة كما فعل فيما سبق ....
فالسنوات غيرت من ملامحه و اكسته شكلا اخر .... تغير حجمه ...و زاد وزنه .... حتى انه اصبح قريبا من عمر من هم في القاع يشكون تعب السنوات و يأملون الحياة بسلام في اخرها ..
زادت الرياح في سرعتها .... و اخذت تدفعه يمينا و شمالا ..... لم يستطع ان يفتح عيناه من شدة الريح .... حاول ان يتمسك وان لا يسقط ....
لم يعد يرى الاشياء الان ... فهو مغمض العينين ... ولم يعد يشتم رائحة الازهار .... الالوان قد اختفت .... " لا ارى .....لا ارى الالوان التي عرفتها ..... اه ...بل اني ارى لونا جديدا ...." يقولها و هو مغمض العينين ......."
انتابه شعور ممزوج بالخوف والسعادة معا .... " ارى لونا لم يسبق لي ان رايته من قبل .... تراه ماذا يكون ..... اهو الابيض ...لالالالالا ..... بل انه الاسود .... نعم انه الاسود ..."
لم تعطه الرياح لحظة التأمل ان تدوم .... لم يعد قادرا على فتح عينيه ثانية ..... فقد غاص في تأمل اللون الاسود الذي اكتشفه .... ( هو جديد بالنسبة له )
في لحظة التأمل تلك ..... افلتت يداه قمة الشعرة .... تهاوى جسده مسرعا نحو القاع .... وهو يواصل التأمل ...... سقط وهو يقول .....
"
الاسود لون جميل ....الاسود لون جميل .... "

قد اكتشف في لحظة العجز الاخير ... انه سكن القاع ولن يتسطيع تسلق القمم من جديد
و من يومها لم يفتح عينيه قط ...



مهداة الى وطن الالوان بغرفة الطاولة المستديرة .....

هناك 4 تعليقات:

  1. أحببت القطعة، فرأت الأسطر في سباف مع فضولي لأصل إلى نهاية جميلة جداً

    ردحذف
  2. و انا احببت مرورك و اسعدني حضورك بين اوراقي
    اشكرك باسكال

    ردحذف
  3. إياك والهبوط,
    إبقى في القمم فمكانك هناك...

    ردحذف
  4. رؤية متميزة و قدرة عالية على تطويع الخيال ليخدم الفكرة و يقدمها بطريقة مبتكرة. لعل هذا النص هو المفضل لدي في مدوّنتك حتى الآن. تشبيهك الوطن بأرنب و الحرية و ألوانها المختلفة و الواقع بلونان محدّدان، الأبيض و الأسود، كل تلك الأفكار دفعت بي الى إعادة القراءة و التفكير. و على أن الوجع الذي يرشح من نصك أضاف بعدا آخر للقراءة، أتمنى أن يبق حيّزا للأبيض و للألوان في الوطن. أصلي لفلسطين و لشعبها، أصلي أن تبقى الأيام تنضح بألوان الفرح و العزة و الأمل و أن تجد دوما مساحة حرية و مساحة حلم.
    لا تتوقف عن الكتابة و إلا ستكون تقترف جريمة فادحة.

    ردحذف