في ظل الكلام

Loading...

الأحد، 19 يونيو 2011

:: استمالة ميت ::







تقف امام التابوت , تنظر اليه ممعنة و محدقة و كأن شريط الحياة يمر امام ناظريها كلمح البصر في حينه . تتمالك نفسها ما استطاعت مانعة سيل من دموع تحرق مجراها و آهات تملأ الفراغ صدىً . ترتجف اصابع قدميها حين يخفق قلبها كلما اقتربت لتكشف عن وجهه و هو ممد الى الارض ينام في سبات عميق الى الابد .
مسبل عينيه و ترتسم من على شفاهه ابتسامة لونها اصفر , ووجه شاحب ازرق . تتأمل فيه كثيرا  فتستذكر يوم كان يضمها اذا الدهر مال عليها يوما , فترمي بنفسها فوق صدره البارد , لانبض فيه يشعر بالامان ولا حرارة الدم تدفئ قلبها المكسور . فتجيش بصرخة المثكول و المفجوع مناجيا رب السماء بأن يجعل كل هذا كابوسا في ليلة شتاء باردة عاصفه . لعلها تجد من الوقت ما يكفي حتى تبوح له بمكنونات الصدر اذ كان يمنعها كبرياء الاحياء السقيم . لعلها تحظ بشيئ من سلام معه حتى  إن كانت المرة الاخيرة بلا عوده .
اعيدوه لي مرة و خذوا مني ما شئتم مرات . اعيدوه يملؤ الدنيا غناء , اعيدوه يمسد شعري و يضفي ظلاله فوق خوفي .

يقف بينها و بين أمانيها دهرٌ من صمت ابكم , وقلة حيلة لازمت آدم وورثها ابناؤه من بعده الى يوم يبعثون , يجيبها الصدى بأن من يموت لا يعود الى حلما و حسرة على ما فاتنا منه لما كان هنا .
هل هو قبول الضعيف امام قدر لا يرحم من به اسىً ؟ ام هو استسلام لارادة الاله يتجلى فوق السماء يناظر عباده ؟
فتستكين الى صوت يأتي من دواخلها , تستجمع ما تبقى منها , فتقبله قبلة الوداع الاخير و تسدل عليه غطاءه النقي و تقف امامه من جديد
وتمد يدها نحوه و تدعوه الى رقصة الاموات مع الاحياء في عالم يمزج ما بين حقيقة الفجيعة و حلم الندم على ما فات .
فيخيل لها بأنه قام من موضعه و لف خصرها بيده و اخذها فوق الغمام يراقصها و ينظر في عينيها . هي لم تستطع ان تنظر في عينيه اكثر , فأغمضت تريد ان تبقي صورته الاخيره يراقصها ولا ترى شيئا بعده .
يمزقون الغمام الابيض يلتف حولهم و كأنه يحمي حلم الاحياء بمقابلة الاموات في ساعة مجنونة بالحاجة . ينثر فوقها ورود الياسمين من جنة الاموات  وتحمل لون الغيب من وراء العالم المجهول . يهمس في اذنيها هواء انفاسه فتتحول الى موسيقى شوبانية رقيقة , و اصابعه تداعب خصرها في احترافية العازف على اوتار عوده بحنان الام تلاطف وجنة رضيعها . 

تحتاج الى ان تقبله تفتح عينيها فلا ترى الى سواد و تابوت ممد أمامها و تجد نفسها تراقص الهواء لا شيئ غير الهواء .. لا شيئ غير الوهم , فلا تتوقف ...
يجن الهواء معها و تجن الاشياء من حولها معلنة حالة الحداد و مصفقة على استحياء لراقصين لم يكملوا رقصهم الاخير . 

هناك تعليق واحد:

  1. اقف عاجزة امام اعظم مشهد رسمته لنا مخيلتك الخصبه...
    كلمات اخذتني بعيدا ...شعرت معها بصقيع ليله شتاءوصمت رهيب يكاد يصم اذني من شدته... صمت لا يكسره الا حفيف اشجار يزيد من رهبةالموقف...!!!
    سيدي..
    نعم كنت هناك .. مع كل حرف دونته ها هنا...
    اعذرني سيدي ... فاناملي ترتجف مع رعشة كل ورقة شجر رقصت في مشهدك!!!
    ارق التحايا واعذب الامنيات ...!!!

    ردحذف